الشهيد الثاني

258

الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية

والمئنّة - بفتح الميم وكسر الهمزة وتشديد النون - : العلامة والمخلقة . قال الهروي نقلا عن الأصمعي أنه « قال : سألني شعبة عن هذا الحرف ، فقلت : هو كقولك : علامة مخلقة ومجدرة ، قال أبو عبيد : يعني أنّ هذا ما يستدلّ به على فقه الرجل » ( 1 ) . ( وكونه ) أي الإمام ( أفضلهم ) أي أفضل القوم الحاضرين ، تأسيا بفعل النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وعليّ عليه السلام في مباشرتهم الجمعة من غير استنابة ، وليزيد الإقبال على قوله والامتثال لأمره والازدجار عن نهيه . ( واتّصافه بما يأمر به وخلوّه عمّا ينهى عنه ) ، ليتمّ الغرض من وعظه كما مرّ ( وفصاحته ) أي اتّصافه بملكة يقتدر بها على التعبير عن مقصوده بلفظ فصيح ، أي خال عن ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد في مركَّبة ومن تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس اللغوي في مفردة . ( وبلاغته ) بمعنى اتّصافه بملكة يقتدر بها على التعبير عن الكلام الفصيح المطابق لمقتضى الحال ، واحترزنا بالملكة عمّن يحفظ خطبة بليغة ، فإنّه لا يسمّى بليغا ولا فصيحا ، بل لا بدّ من كون ذلك ملكة نفسانيّة له ، وعمّن يقدر على تأليفها بتكلَّف شديد أو في حال نادر ، فإنّ ذلك لا يكون ملكة ، والمراد بمطابقة الحال أن يكون الكلام موافقا للزمان والمكان والسامع ، بحيث يلقي إلى كلّ سامع ما يليق بحاله ويصلح لعظته ، فإن اختلفوا في المقاصد راعى الأنفع . ( ومواظبته على أوائل الأوقات ) ، لأنّ ذلك أوفق لقبول عظمته ، وأدخل لقوله في القلوب ( وصعوده ) المنبر ( بالسكينة ) والوقار ( واعتماده ) حال الخطبة ( على ) عنزة أو قضيب أو ( قوس أو سيف وشبهه ) ، تأسّيا بالنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله ، فإنّه كان يعتمد على عنزته ( 2 ) .

--> ( 1 ) « غريب الحديث » للهروي 4 : 61 ، « مأن » . ( 2 ) « سنن ابن ماجة » 1 : 352 / 1107 ، « سنن أبي داود » 1 : 287 / 1096 .